|
لكنّ
الأمر في السابق كان ينطوي على الكثير من
العوائق والصعوبات والشروط والمتطلبات
التي لا يستطيع التغلب عليها إلا فئة
قليلة من البشر ... إلى أن ظهرت الإنترنت ،
لتحمل لك معها الفرصة للوصول إلى
ملايين الناس في مشارق الأرض ومغاربها
بلمسة زر ، ولتمنحك القدرة على
إدارة
نشاطٍ تجاري فردي ذو عائدٍ مـجزٍ ، بتكاليف قد لا تتجاوز كلفة دعوة
أفراد العائلة للعشاء مرةً في الشهر
، دون أن تضطرّ في سبيل ذلك لطرق بابٍ
واحد أو إجراء مكالمةٍ هاتفية على مضض
لتملّق فلان وعلان . لقد أوجدت الإنترنت
نوعاً من الفرص التي لا
تتكرر إلا مرةً كل بضعة قرون ... أو ربما
مرةً في التاريخ !
نحن
اليوم في مستهلّ القرن الواحد والعشرين ،
قرن الإنترنت ، التي نسفت كثيراً من
مفاهيم العمل التي سادت لسنوات . ما كان
بالأمس أمراً مستحيلاً أصبح اليوم
واقعاً ملموساً . لقد مهّدت الإنترنت
أرضيّة الملعب أمام الجميع ، وعدّلت من
شروط اللعبة وأحكامها لتتيح الفرصة
للمبتدئين وصغار اللاعبين ، وحتّى لمن لم يمارسوا في
حياتهم أي نوعٍ من النشاط ، كي ينطلقوا
مـن الـقـاع لـلأصـقـاع ، ويتحدّوا
حيتان الوسط وعمالقته وينافسونهم عبر
الأثير .
كم
أحرقت أصابعي في مغامراتٍ تجارية فاشلة
قبل الإنترنت كادت أن تودي بي إلى
الهاوية ، حتى صار الألم يعتصرني لمجرد
التفكير في حجم المال الذي بدّدته والوقت
الذي أهدرته على مدى سنواتٍ طوالٍ دون
جدوى ! لكنني أدركت مع إطلالة هذه
الإنترنت ، أن هناك شمس أخرى تبزغ في
فضاءٍ جديد لا نعرفه اسمه الفضاء
السايبري ، فقررت الحصول على المعرفة ،
ذلك القرار الذي كان من أهم
القرارات التي اتّخذتها في حياتي ، إن لم
يكن أهمّها على الإطلاق .
بحثت
في مئات المصادر المعلوماتية
الإلكترونية . قرأت كلّ ما وقعت عليه يداي
من مقالاتٍ ونشراتٍ وكتبٍ إلكترونية .
اشتركت في ما لا يحصى من المجلات
المتخصصة . أمضيت قرابة ثلاثة سنوات وأنا أطالع وأقرأ وأتعلم أصول
السباحة في الفضاء السايبري ، وأجرّب ،
وأختبر ، وأتدرّب ، وأضع ما أجده ملائماً
موضع التنفيذ ، إلى أن خرجت من كل ذلك
باكتشاف كـذبتين
نعم
، كـذبتان كبيرتان تجتاحان عالم المال
الإلكتروني ويتناقلهما الناس اليوم
حول الإنترنت ....
تزعم
الكذبة الأولى استحالة بناء الأعمال
وكسب المال على الإنترنت !
وجوابي
على ذلك هو دعوة هؤلاء إلى التوقف . أولئك الذين لا همّ لهم إلا تثبيط هِمَم الآخرين وثنيهم عن عزيمتهم بالغمز واللمز والتشكيك والتكذيب
، تراهم يجادلونك في أمورٍ لم يسمعوا بها أصلاً ، وبالكاد يلِمّون بطريقة تشغيل الكمبيوتر ، ويظنون أن الإنترنت هي فقط ناسا
والموسوعة البريطانية ووكالات الأنباء ، ثم لا يتورّعوا في النهاية عن الإدلاء بآرائهم في أمورٍ هي بالنسبة لهم طلاسم .
أضِف إليهم أولئك الذين لايعرفون من الإنترنت إلا كليك وبرامج الدردشة والمواقع الإباحية وتمرير النكات عبر البريد الإلكتروني
، ويظنون مع ذلك أنهم مؤهلين للإدلاء
بدلوهم !
قد
لا يكون الذنب ذنبهم في الواقع بقدر ما هي الممانعة لكل جديد ...
يقول أحد الفلاسفة :
" يعارض العقل البشري كل فكرةٍ جديدة ويقاومها كما تقاوم أجسادنا البروتين الجديد " .
ربما كان هذا هو الدافع الغريزي لدى هؤلاء
، فليتنحوا جانباً على أية حال .
أما
الكذبة الثانية فتزعم أنّ بإمكان
الجـميع صنع المال على الإنترنت !
هلا
أسديت لنفسك معروفاً وامتنعت عن تصديق
هذا الادعـاء الزائف ؟
لا
يستطيع ، " الجميع " ، تحقيق أهدافهم
على الإنترنت . أولئك الذين يفدون إلى
الشبكة وفي جعبتهم منتجات بالية لا تصلح
للتسويق الإلكتروني ، ونصوص إعلانية
مضحكة ، ونشرات ترويجية مبكية ، وأساليب
في البيع يتطاير منها غبار التاريخ ، ثم
يتوّجون كل هذه المآثر بإنشاء موقعٍ
إلكتروني هزيل على سرفر مجاني ، لن يروا
أحلامهم يوماً تتحول إلى واقع .
للأسف
، لم يستوعب معظم الناس على الإنترنت
الأمر بعد ... لا أقصد الناس الباحثين عن
اللهو والتسلية ، فهؤلاء لا شأن لنا بهم ،
بل أقصد أولئك الذين يكدّون ويعملون
ويظنون أنهم يديرون نشاطاً حقيقياً ،
ليفاجأوا بعد فترةٍ وجيزة بفشلٍ ذريع .
يتعاملون
مع الإنترنت وكأنها لعبة ، أو هوس ، أو
هواية ، أو شيء يستخدمونه في أوقات
الفراغ أو في أحسن الأحوال ، يعتقدون
أنها كلوحة إعلانات ... أنشئ موقعاً
إلكترونياً ، ألصِق فيه بعض الصور
والنصوص ، بعثِر بعض الإعلانات هنا وهناك
، ثم اجلس وراقب تهافت الزوار وانطلاق
المبيعات . لم يعلموا أنّ إنشاء موقعٍ
إلكتروني هو أسهل الأمور على الإطلاق هذه
الأيام . في الواقع ، لقد أصبح بإمكان
ابنتي الصغرى التي لا تزال على مقاعد
الدراسة أن تنشئ اليوم موقعاً
إلكترونياً صغيراً خلال بضعة ساعاتٍ فقط
تتحدى بأناقته أكبر المصممين .
لكن
ماذا بعد ؟
حسناً
، يجلس أولئك المبدِعون ينتظرون
ويراقبون على أمل أن يحطّ أحد ما ، يوماً
ما ، رحاله في مواقعهم ويبدي اهتماماً
بما يسوّقون . لكن يطول انتظارهم ، ويطول
، ويطول ، دون أن يأتي ذاك الـ " أحد ما
" أو " يوم ما " ، وكأنه ذنب
الإنترنت أنها لم ترسل مليونا زائرٍ إلى
موقعهم قبل حلول المساء ... فيما هم
يراقبون !!!
|